أنواع النسخ في القرآن الكريم من حيث بقاء نص التلاوة، وبقاء الحكم، أو رفعهما.
قال ابن عطية: "والنسخ التام: أن تنسخ التلاوة والحكم، وذلك كثير، وقد تنسخ التلاوة دون الحكم، وقد ينسخ الحكم دون التلاوة. والتلاوة والحكم حكمان؛ فجائز نسخ أحدهما دون الآخر" [1].
وبذلك يمكن تقسيم أنواع النسخ في القرآن من حيث هذه الوجهة إلى ثلاثة أقسام:
(1) نسخ الحكم مع بقاء التلاوة:
وذلك بأن ينسخ الحكم الشرعي المتضمن في الآية الكريمة، مع بقاء نص الآية يتلى ويكتب في المصحف. وهذا النوع من النسخ فرض على الفقيه تمييزه في نصوص الكتاب والسنة، وذلك لما له من الأثر في الأحكام العملية، وورود الخلاف عن طريق الاشتباه فيه، وهو الذي اجتهد المصنفون في باب النسخ على تتبعه وجمعه.
ومثاله: قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [سورة النساء، الآية: 15]. نسخ بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [سورة النور، الآية: 2]. كما ثبت ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما [2].
(2) نسخ التلاوة مع بقاء الحكم:
وهو قليل الوجود في النصوص المنقولة إلينا، وثبوت حكمه مع نسخ تلاوته إنما عرف من طريق النقل الثابت [3].
ومن الناس من رد وجود هذا النوع من النسخ، وتعرض لبعض الأحاديث الواردة فيه بالتضعيف، ولأخرى بالتأويل، غير أنه لم يتعرض لطائفة منها صحيحة.
ومثاله: ما روي عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: "لقد كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة؛ لابتغى إليهما آخر، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" [4].
(3) نسخ التلاوة والحكم:
وهو نوعان:
الأول: ما بلغنا لفظه أو موضوعه؛ كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثم نُسخت بخمسٍ معلومات" [5].
الثاني: ما بلغنا مجرد الخبر عنه ورُفع منه كل شيء، كما في حديث زر بن حُبيش رضي الله عنه قال: "قال لي أبي بن كعب: كأيّن تُقرأ سورة الأحزاب؟، أو: كأين تعدُّها؟. قال: قلت له: ثلاثًا وسبعين آيةً، فقال: قط؟، لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة" [6].
الحكمة من النسخ
النسخ جار مع مقاصد الشرع لتحقيق مصلحة المكلف:
(1) فتارة ينزل الوحي بالحكم الشاق على المكلّفين لأجل اختبارهم وامتحان صدق إيمانهم. كما مضى في آية: {لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ} [سورة البقرة، الآية: 284]. ونسخها بآية: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا} [سورة البقرة، الآية: 286]. فخفف الله تعالى عن الأمة ولم يؤاخذهم بما لا طاقة لهم به.
(2) وتارة لتدرج الناس بالتشريع، لحداثة الناس بالجاهلية، ولا يخفى ما فيه من تأليف قلوبهم بالإسلام، وتهيئتهم لما أريدوا له من نصر دين الله.
ومثاله: التدرج في تحريم الخمر، وكذا التدرج في عدد الصلوات المشهور في حديث الإسراء والمعراج. وقد مضى ذلك.
(3) كما أنه من حكم النسخ: إظهار نعمة الله عز وجل بما يرفع به من الحرج والضيق بنوع سابق من أنواع التكليف، ومن مثال ذلك زيادة على ما مضى: عدة المرأة، فقد كان بداية عامًا كاملًا، كما في الآية: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [سورة البقرة، الآية: 240]. فنسخ الله تعالى ذلك بقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [سورة البقرة، الآية: 234].
(4) كما يقع بالنسخ تطييب نفس النبي صلى الله عليه وسلم ونفوس أصحابه بتمييز هذه الأمة على الأمم وإظهار فضلها. ومثاله تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة كما مضى بيانه.
وبالجملة؛ فقد قال الإمام الشافعي: "إن الله خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة، وفرض فيه فرائض أثبتها وأخرى نسخها، رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمة، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه، فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ، فله الحمد على نعمه". [7]
[4] حديث صحيح: أخرجه أحمد (32/31، رقم: 19280)، والبزار (رقم: 3639 – كشف الأستار)، والطبراني في (الكبير) (5/207، رقم: 5032).
[6] حديث صحيح: أخرجه الطيالسي في مسنده (رقم: 540)، وعبد الرزاق في (المصنف) (رقم: 5990)، والنسائي في (السنن الكبرى) (رقم: 7150) وغيرهم.
0 التعليقات:
إرسال تعليق