مصادر التفسير (3): تفسير الصحابة

التعليق

الصحابة رضوان الله عليهم خِيَرَةُ الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، جعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيّه صلى الله عليه وسلم، وهم أرقّ الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأبعدهم عن التكلف، حفظ الله بهم الدين، ونشره بهم في العالمين، وكانوا في علمه بين مُكْثرٍ ومُقلّ.
قال مسروق: (لقد جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالإخاذ (الغدير)، فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المئة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، فوجدت عبد الله ابن مسعود من ذلك الإخاذ) (1).
ولِما كان لهم من الصحبة والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة أحواله، فإن لأقوالهم تقدّماً على غيرها عند أهل العلم، فتجدهم يعتمدون عليها في بيان الدين، ويتخيّرُونَ من أقوالهم إذا اختلفوا، غير خارجين عنها إلى غيرها (2).


هذا، وقد تميّزت أقوالهم بالعمق من غير تكلّف، ومن نظر في تفسيراتهم ووازنها بأقوال المتأخرين عَرَفَ صدق هذا القول.


ولقد كان من أبرز مَنْ أظهر هذه الفكرة، وبيّن ما للصحابة من مزيّة في عباراتهم التفسيرية الإمامُ ابن القيم في كتبه، ومن ذلك قوله: (... فعاد الصواب إلى قول الصحابة، وهم أعلم الأمّة بكتاب الله ومُراده) (3).


أهمية تفسير الصحابة:
وقد ذكر العلماء أسباباً تدلّ على أهمية الرجوع إلى تفسيرهم، وهذه الأسباب كالتالي:
1- أنهم شهدوا التنزيل، وعرفوا أحواله:
لقد كان لمشاهدتهم التنزيل، ومعرفة أحواله أكبر الأثر في علوّ تفسيرهم وصحته، إذ الشاهد يدرك من الفهم ما لا يدركه الغائب.
وفي حجيّةِ بيان الصحابة للقرآن، فيما لو اختلفوا، قال الشاطبي: (وأما الثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنّة، فهم أقْعَدُ في فَهْمِ القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يراه الغائب.
فمتى جاء عنهم تقييدُ بعض المطلَقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل عليه على الصواب، وهذا إن لم ينقل عن أحدهم خلاف في المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية) (4).
ومعرفة أسباب النزول لازمة لمن أراد علم القرآن؛ لأن الجهل بأسباب النزول مُوقِعٌ في الشّبَه والإشكالات، ومُورِدٌ للنصوص الظاهرة مَورِدَ الإجمال حتى يقع الاختلاف.
وإنما يقع ذلك؛ لأن معرفة أسباب النزول بمنزلة مقتضيات الأحوال التي يُفْهَمُ بها الخطاب، وإذا فات نقل بعض القرائن الدّالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيءٍ منه.
ومعرفة أسباب النزول رافعة لكل مشكلٍ في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بدّ، ومعنى معرفة السبب هو معنى مقتضى الحال (5).


إن ممّا يدلّ على ما سبق من الكلام: ما رواه أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أُتيَ برجلٍ من المهاجرين الأولين وقد شرب الخمر فأمر به عمر أن يُجلد، فقال: لِمَ تجلدني؟! بيني وبينك كتاب الله، قال: وفي أيّ كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟.
قـال: فـإن الله تعـالى يقـول في كـتابـه: {لَيْسَ عَلَى الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا...} [المائدة: 93]، فـأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول الله: بدراً، وأحداً، والخندق، والمشاهد.
فقال عمر: ألا تَرُودّن عليه؟
فقال ابن عباس: هؤلاء الآيات نزلت عذراً للماضين، وحجّة على الباقين، عذراً للماضين؛ لأنهم لَقُوا الله قبل أن حرّم الله عليهم الخمر، وحجة على الباقين؛ لأن الله يقول: {.. إنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ..} [المائدة: 90]. حتى بلغ الآية الأخرى) (6).
فانظر كيف خفي على هذا البدريّ رضي الله عنه حكم هذه الآية لمّا لم يكن يعلم سبب نزولها؟ وكيف لم تكن مشكَلة عند من علم سبب نزولها؟ فنزلها منزلتها، وبيّن معناها.


2- أنهم عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن:
يقول الشاطبي في بيان أهمية معرفة الأحوال في التفسير: (ومن ذلك: معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ثَمّ سبب خاص، لا بدّ لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشّبه والإشكالات التي يتعذّر الخروج منها إلا بهذه المعرفة) (7).
أ -ومن الأمثلة التي تدلّ على أهمية معـرفة أحوالهم في التفسير: ما رواه البخاري في تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ..} [البقرة: 198] عن ابن عباس رضي الله عنهما قـال: (كانت عُكاظٌ ومجنّةٌ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثّموا أن يَتّجِروا في المواسم، فنزلت {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ..} في مواسم الحج) (8).
ب- ومثله ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنهما قالت: (كانت قريش ومن دَانَ دينها يقفون المزدلفة، وكانوا يسمّون الحُمْسُ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثُمّ يقفَ بها، ثُمّ يُفِيِضَ منها، فذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ..} [البقرة: 199] (9).
ج- ومثله ما رواه البخاري عن ابـن المنكدر، قـال: (سمعت جابراً رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: (إذا جـامعها من ورائها جاء الـولد أحـول، فـنزلـت {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ..}) (10).


3- أنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن:
لما كان القرآن نزل بلغتهم، فإنهم أعرف به من غيرهم، وهم في مرتبة الفصاحة العربية، فلم تتغيّر ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا في الفصاحة، ولذا فَهُم أعرف من غيرهم في فهم الكتاب والسنة، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان صحّ اعتماده من هذه الجهة (11).
كما أن ما نقل عنهم من كلام أو تفسير فإنه حجّة في اللغة، وفيه بيان لصحّة الإطلاق في لغة العرب، قال ابن حجر: (استشكل ابن التين قوله (12): (ناساً من الجن) من حيث إن الناس ضدّ الجنّ.
وأجيب بأنه على قول من قال: إنه من نَاسَ: إذا تحرك، أو ذُكر للتقابل، حيث قال: (ناس من الناس)، (وناساً من الجن) ويا ليت شعري، على من يعترض؟!) (13).


4- حسن فهمهم:
إن من نَظَرَ في أقوال الصحابة في التفسير متدبراً لهذه الأقوال، ومتفهماً لمراميها، وعلاقتها بتفسير الآية، فإنه سيتبيّن له ما آتاهم الله من حسن البيان عن معاني القرآن، من غير تكلّفٍ في البيان، ولا تعمّق في تجنيس الكلام، بل تراهم يُلْقون الألفاظ بداهة على المعنى، فتصيب منه المراد.
وكان مما عزّز لهم حسن الفهم: ما سبق ذكره من الأسباب التي دعت إلى الرجوع إلى تفسيرهم من: مشاهدة التنزيل، ومعرفة أحوال من نزل فيهم القرآن، وكونهم أصحاب اللسان الذي نزل به القرآن، مع ما لهم من معرفة بأحوال صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم، مما كان يعينهم على فهم المراد وحسن الاستنباط، قال ابن القيم: (قال الحاكم أبو عبد الله، في التفسير من كتاب المستدرك: ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل، عند الشيخين حديث مسند) (14).
وقال في موضع آخر من كتابه: (هو عندنا في حكم المرفوع) (15).
وهذا وإن كان فيه نظرٌ، فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد الله عز وجل من كتابه؛ فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يُعدَلُ عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل) (16).
إن هذه المزيّة تُوجِبُ على دارسِ التفسير أن يرجع إلى أقوالهم، وأن يَفْهَم تفسيراتِهم، ليَعْتَمِد عليها في التفسير، ويبنيَ عليها مسائل الآيات وفوائدها.
غير إن كثيراً ممن يَدْرُسُ التفسير أو يُدَرّسُه لا يهتم بإيراد أقوال الصحابة (17)، وكثيراً ما تراه يكتفي بأن ينسب التفسير إلى المتأخرين من المفسرين كالزجاج والزمخشري وابن عطية والقرطبي وأبي حيان وابن كثير... وغيرهم.
إن في هذا المسلك ما يقطعُ على طالب العلم شرف الوصول إلى علوم هؤلاء الصحابة وأفهامهم، بل قد يجعله ينظر إلى أقوالهم نظر المقلّلِ من شأنها، ويرى أن تفسيراتهم سطحيّة، لا عمق فيها، ولا تقرير!!.
وهذا خطأ مَحْضٌ، ومجانبة الصواب، وإنما كان سبيل أهل العلم الراسخين فيه أنهم (يتكثّرون بموافقة الصحابة)، وانظر كم الفرق بين أن يُقال: هذا قول ابن عباس في الآية، أو يقال: هذا قول الزجاج أو ابن عطية أوغيرهم في الآية.
فانظر إلى ما ستميل إليه نفسك؟، وأي قول سيطمئن له قلبك؟.


5- سلامة قصدهم:
لم يقع بين الصحابة خلافٌ يُؤَثّر في علمهم، بحيث يوجّه آراءهم العلمية إلى ما يعتقدونه، وإن كان مخالفاً للحق، بل كان شأن الخلاف بينهم إظهار الحق، لا الانتصار للنفس أو المذهب الذي ذُهِبَ إليه.
لقد ظهر خلاف أمرهم في الخلاف فيمن بعدهم من أصحاب العقائد الباطلة؛ كالخوارج، والمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، وغيرهم، فظهر في أقوالهم مجانبةُ الحق، وكثر الخلاف بسبب كثرة الآراء الباطلة، مما جعل القرآنَ عُرضةً للتحريف والتأويل، إذ كلّ يصرفه إلى مذهب، وهذا مما سلم منه جيل الصحابة، فلم يتلوّث بمثل هذه الخلافات.
ولهذا جاء تفسيرهم بعيداً عن إشكالات التأويل، وصرف اللفظ القرآني إلى ما يناسب المذهب، أو غيرها من الانحرافات في التفسير.


مصادر الصحابة في التفسير:
للتفسير مرجعان:
الأول: ما يَرْجِعُ إلى النقل.
والثاني: ما يرجع إلى الاستدلال (18).
ويمكن توزيع مصادر الصحابة على هذين المرجعين؛ لأن تفاسير الصحابة:
منها ما يرجع إلى النقل، ومنها ما اعتمدوا فيه على استنباطهم، وهم فيه مجتهدون.


تفصيل مصادر الصحابة:
أولاً: ما يرجع إلى النقل، ويندرج تحته قسمان:
الأول: ما يرجع إلى المشاهدة، وتحته ما يلي:
1- أسباب النزول.
2- أحوال من نزل فيهم القرآن.
وهذان بينهما تلازم في حالة ما إذا كان سبب النزول متعلقاً بحال من أحوال من نزل فيهم القرآن.
الثاني: ما يرجع إلى السماع، ويندرج تحته ما يلي:
1- ما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم من التفسير النبوي الصريح.
2- ما يرويه بعضهم عن بعض.
3- ما يروونه من الغيبيّاتِ.


ثانياً: ما يتعلق بالفهم والاجتهاد (الاستدلال)، ويندرج تحته ما يلي:
1- تفسير القرآن بالقرآن.
2- تفسير القرآن بأقوال الرسول مما ليس نصّاً في التفسير.
3- التفسير اللغوي (المحتملات اللغوية).
4- المحتملات المرادة في الخطاب القرآني، أو ما يرجع إلى احتمال النص القرآني أكثر من معنى.


تفصيل هذه المصادر:
أولاً: ما يَرْجِعُ إلى النّقْلِ:
الأول: ما يتعلق بالمشاهدة:
ويعتبر هذا مما تميّز به الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن المشاهدة لا يمكن أن تتأتّى لغيرهم؛ ولذا: فإن الأصل أن ما ورد من هذا الباب فإن مَحَلّهُ القبول بلا خلاف.
ويدخل فيما يتعلق بالمشاهدة ما يلي:
1- أسباب النزول:
لقد سبق الحديث عن أن مشاهدتهم لأسباب النزول كانت من أهم أسباب رجوع من جاء بعدهم إلى تفسيرهم، والاعتماد عليه في فهم الآية.
والمراد بسبب النزول: ما كان صريحاً في السببية، ويظهر ذلك من خلال النصّ المروي في السبب؛ كأن يقول الصحابي: كان كذا وكذا فنزلت الآية، أو يقع سؤال فينزل جوابه، أو غيرها مما يمكن معرفته من خلال النص بقرائن تدل على السببية الصريحة.
2- معرفة أحوال من نزل فيهم القرآن:
إن معرفة هذه الأحوال تفيد في درايتهم بقصة الآية، الذي هو أشبه بسبب النزول، بحيث لو فقدت هذه المعرفة لوقع الخطأ في فهم المراد بالآية، كما وقع لعروة بن الزبير رضي الله عنه في فهم قوله تعالى: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا..} [البقرة: 158].
قال عروة: (قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حديث السّن أرأيتِ قول الله تبارك وتعالى: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا..} [البقرة: 158] فما أرى على أحدٍ شيئاً ألا يطّوف بهما.
فقالت عائشة: كَلاّ، لو كانت كما تقول كانت: (فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما)، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار: كانوا يُهِلّون لمناة وكانت مناة حَذْوَ قُدَيدٍ وكانوا يتحرّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا..} [البقرة: 158]) (19).
ويلحظ من هذا المثال: أن سبب النزول قد يكون من أجل حالٍ من أحوال من نزل فيهم الخطاب من العرب أو اليهود، وبهذا يكون المثال صالحاً للتمثيل به في الأمرين.


ومما نزل بسبب حال من أحوال اليهود، ما روى جابر رضي الله عنه قال: (كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: {نساؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ..} [البقرة: 223] (20).


تنبيه:
للصحابة فيما يتعلق بالمشاهدة حالتان:
الأولى: أن يكون الصحابي ممن حضر سبب النزول، أو عايش الأحوال التي نزل بشأنها القرآن، وهذا هو الذي ينطبق عليه الحديث هنا.
الثانية: أن يكون سمعه من صحابي آخر، وبهذا فإنه يدخل في القسم الذي بعده.


الثاني: ما يتعلق بالسماع:
يشمل هذا القسم كل الروايات التي يرويها الصحابي عن غيره، ويدخل في هذا القسم ما يلي:
1- الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
والمراد به: ما يروونه من التفسير النبوي الصريح، وقد يقع تفسيره جواباً لأسئلتهم، أو أن يفسّر لهم ابتداءً.
* ومن الأول: ما رواه مسلم في تفسير قوله تعالى: {.. لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ..} [التوبة: 108] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (مرّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر المسجد الذي أسس على التقوى؟. قال: قال أبي: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أيّ المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفّاً من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا، لِمسجد المدينة. قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره) (21).
* ومن الثاني: ما رواه البخاري عن أبي ذرّ، قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس، فقال: يا أبا ذر، أتدري أين تغيب الشمس؟. قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ}) (22).


2- ما يرويه الصحابي عن الصحابي:
قد تكون الرواية عن الصحابي مجردة من السؤال، بحيث يورد الصحابي تفسير الصحابي إيراداً من غير سؤال، أو تكون عن سؤالٍ؛ ومنه: ما رواه البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: {.. وَإن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4].
قال ابن عباس: (أردت أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمكثت سنة، فلم أجد له موضعاً، حتى خرجت معه حاجّاً، فلما كنّا بظهران ذهب عمر لحاجته، فقال: أدركني بالوضوء، فأدركته بالإداوة، فجعلت أسكب عليه، ورأيت موضعاً، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان تظاهرتا؟ قال ابن عباس: فما أتممت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة) (23).
ويدخل في باب الرواية: ما كان من أسباب النزول، أو أحوال من نزل فيهم القرآن، إذا كان الصحابي لم يحضر السبب أو الحال، فإن طريقه في ذلك: الرواية، وروايته مقبولة في ذلك، وإن لم ينسبها إلى من رواها له من الصحابة، وذلك لأن الصحابة عدول باتفاق الأمة.
ويمكن التمثيل لهذا بما يرويه صغار الصحابة أو من تأخر إسلامهم من أحداثٍ لم يحضروها أو يعاصروها.
ومن أمثلة ذلك: ما رواه: أبو هريرة، وابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد الصفا، ونادى بطون قريش.. إلى آخر الحديث (24).
وذلك أن أبا هريرة أسلم في المدينة، وابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، والحدث الذي يرويانه في تفسير الآية كان بمكة، وكان في أوائل سني البعثة.


3- ما يروونه من المغيّبات:
تشمل الأمور الغيبية ما مضى، وما سيكون، والأخبار الماضية إما أن يكون مصدرها الرسول، وهذا هو المراد، وإما أن يكون مصدرها أهل الكتاب، وهذا يدخل في البحث السابق.
أما الأخبار المستقبلية، فالغالب أنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يرد منها ما هو عن أهل الكتاب.
وها هنا مسألة تحتاج إلى بحث، وهي: كيف نُميّزُ ما روي عن أهل الكتاب مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم؟.
الجواب: (................) (25).
هذا.. وما يُروى عن أهـل الكتاب، فقد اصطلح العلماء على تسميته بـ (الإسرائيليات). وهي عند الصحابة على قسمين من حيث التحمّل في الرواية:
الأول: السماع منهم، وهذا يأخذونه عن بعض مسلمة أهل الكتاب: كابن سلام من الصحابة، وكعب الأحبار وأبي الجلد من التابعين.
ويظهر من استقراء المرويات الإسرائيلية أن الصحابة لا يسندون مروياتهم في الغالب مما يجعل الباحث لا يجزم بالأخذ المباشر عن مُسِلمةِ بني إسرائيل، بل قد يكون مما اطّلعوا عليه وقرؤوه، والله أعلم.
ومن أمثلة الرواية عن عبد الله بن سلام: ما رواه ابن مُجلّز، قال: (جلس ابن عباس إلى عبد الله بن سلام، فسأله عن الهدهد، لم تفقّده سليمان من بين الطير؟ فقال عبد الله بن سلام: إن سليمان نزل منزلة في مسيرٍ له، فلم يَدْرِ ما بُعْدُ الماء، فقال: من يعلم بُعْدَ الماء؟، قالوا: الهدهد، فذلك حين تفقّده) (26).
الثاني: ما يكون من طريق الوجادة، وهو ما يقرؤونه من كتب أهـل الكتاب، كما حصل لعبد الله بن عمرو بن العاص من إصابته زاملتين فيها كتبٌ من كتب أهل الكتاب.


اسْتِطْرَادٌ:
مما يحسن توجيه النظر إليه في هذا المبحث، أن بعض المعاصرين قد شنّ غارة على وجود مرويات بني إسرائيل في تفسير الصحابة، وعدّ ذلك من عيوب تفسيرهم.
والذي يجب التنبّه له أن الحديث عن الإسرائيليات يَطَال سلف الأمة من المفسرين: صحابةً، وتابعين، ولقد كان هؤلاء أعلم الناس بالتفسير، وأعظم الذائدين عن الدين كل تحريف وبطلان.
لقد تجوّز سلف هذه الأمة في رواية الإسرائيليات، أفلم يكونوا يعرفون حكم روايتها ومنزلتها في التفسير؟.
ألم يكونوا يميّزون هذه الإسرائيليات التي استطاع المتأخرون تمييزها؟!
وإذا كان ذلك كذلك؟ فما الضرر من روايتها؟.
ألا يكفي المفسر بأن يحكم على الخبر بأنه إسرائيلي، مما يجعله يتوقف في قبول الخبر؟.
إن بحث (الإسرائيليات) يحتاج إلى إعادة نظر فيما يتعلق بمنهج سلف الأمة في روايتهم لها، ومن أهم ما يجب بحثه في ذلك ما يلي:
1- جَمْعُ مروياتهم فيها، وجَعْلُ مرويات كل مفسرٍ على حِدَةٍ.
2- محاولة معرفة طريق تحمّل المفسر لها، وكيفية أدائه لها، فهل كان يكتفي بعرضها ثقةً منه بتلاميذه الناقلين عنه؟ أو هل كان ينقدها، ويبين لتلاميذه ما فيها؟
3- ما مدى اعتماد المفسر عليها؟ وهل كان يذكرها على سبيل الرواية لما عنده في تفسير هذه الآية، من غير نظر إلى صحة وضعف المروي؟ أوْ هل كان يرويها على سبيل الاستئناس بها في التفسير؟ أو هل يعتمد عليها، ويبني فهم الآية على ما يرويه منها؟ تلك المسائل وغيرها لا يتأتّى إلا بعد جمع المرويات، واستنطاقها لإبراز جوابات هذه الأسئلة وغيرها مما يمكن أن يَثُورَ مع البحث.
ثم بعد هذا يمكن استنباط منهج السلف وموقفهم من الإسرائيليات في التفسير. والله أعلم.


ثانياً: ما يتعلق بالفهم والاجتهاد (الاستدلال):
يكون معتمد المفسّر في هذا القسم العقل، ولا خلاف في أن الصحابة قد اجتهدوا في بيان القرآن، وقد نبّه ابن الأثير إلى ذلك في شرحه لحديث: (من قال في كتاب الله عز وجل برأيه...) حيث قال: (وباطل أن يكون المراد به: أن لا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة رضي الله عنهم قد فسّروا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوهٍ، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي، وإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس، فقال: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل»، فإن كان التأويل مسموعاً كالتنزيل، فما فائدة تخصيصه بذلك؟) (27).


ويشتمل هذا القسم على أربعة أنواع، هي:
1- تفسير القرآن بالقرآن:
قد سبق الحديث عن أن تفسير القرآن بالقرآن مرجعه إلى الرأي، وذلك أن ربط الصحابي بين آية وأخرى كان معتمداً على العقل، ولو كان عنده سندٌ إلى رسول الله لذكره، مثل ما مرّ ذكره في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] حيث أُسند إلى الرسول.
ومن الأمثلة الواردة عنهم في تفسير القرآن بالقرآن ما يلي:
عن عمر بن الخطاب في تفسير قوله تعالى: {وَإذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7] قال: تزويجها: أن يؤلف كل قوم إلى شبههم، وقال: {احْشُرُوا الَذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ} [الصافات: 22] (28).
و مما يحسن بحثه في هذا الموضوع: كيفية استفادة الصحابة من القرآن في تفسيرهم.
2- تفسير القرآن بأقوال الرسول مما لم ينص فيها على التفسير:
سبق الحديث عن هذا القسم، وأن معتمد المفسر هاهنا العقل، وذلك لأن الصحابي يجتهد في ربط الحديث بمعنى الآية.
ومن أمثلته: ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح» يقول أبو هريرة: (اقرؤوا إن شئتم: {وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}) (29).
فنلاحظ أن أبا هريرة نزّل الحديث على معنى الآية، فجعل اجتماع الملائكة هو الشهود الذي يحصل في صلاة الفجر.
3- التفسير اللغوي (المحتملات اللغوية):
نزل القرآن بلغة الصحابة رضي الله عنهم، ولذا: فهم أئمة التفسير اللغوي، وإذا روي عن أحدهم تفسير لغوي، فإن محلّه القبول.
وبالنظر إلى الألفاظ اللغوية المفسّرة تجد أنها على قسمين:
الأول: ألاّ يحتمل اللفظ إلا معنى واحداً، وهذا ما لا يقع فيه خلاف، وهو أشبه بأن يجعل من القسم الذي طريقه السماع لا الاجتهاد، لعدم الحاجة لإعمال الرأي في مثل هذا.
الثاني: ما يحتمل أكثر من معنى، والسياق محتمل لها جميعها، ففي مثل هذا يكون التّميّزُ وإعمال الرأي اعتماداً على المعنى اللغوي، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره الطبري في تفسير قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [المطففين: 26] أن فيه ثلاثة أقوال، اثنين منها عن صحابيين:
القول الأول: بمعنى خِلْطُهُ، وهذا قول ابن مسعود، قال: (أما إنه ليس بالخاتم الذي يختم، أما سمعتم المرأة من نسائكم تقول: طيب كذا وكذا خلطه مسك).
القول الثاني: بمعنى: آخر شرابهم، وهذا قول ابن عباس، قال: (طيّب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها حتى تختم بالمسك) (30).
4- ما يرجع إلى احتمال النص القرآني أكثر من معنى:
قد تحتمل الآية أكثر من معنى، فيذكر صحابي أحد هذه المعاني، ثم يذكر الآخر معنًى غيره من المعاني المحتملة لهذا الخطاب القرآني، وقد يعتمد في اختياره على ما سبق من الأقسام الثلاثة فيما يتعلق بالاجتهاد.
ومن أمثلة ذلـك: تفسيرهـم قوله تعـالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ} [الانشقاق: 19]، ورد في قـوله {لَتَرْكَبُنَّ} قراءات، منها: فتح التاء والباء، وقد اختلف في: من وجّه إليه الخطاب؟، على قولين:
الأول: أن الخطاب موجّه للرسول، واختلف في معنى {طَبَقاً عَن طَبَقٍ} على هذا القول على معنيين:
1- لتركبن يا محمد حالاً بعد حال، وأمراً بعد أمر من الشدائد، وهذا مروي عن ابن عباس من طريق مجاهد والعوفي.
2- لتركبن يا محمد سماءً بعد سماءٍ، وهذا مروي عن ابن مسعود من رواية علقمة.
الثاني: أن الخطاب موجّه للسماء، والمعنى: أنها تتغيّر ضروباً من التغيّر:
تتشقق بالغمام مرّة، وتَحْمَر أخرى، فتصير وردة كالدهان، وتكون أخرى كالمهل، وهذا مروي عن ابن مسعود من رواية مرة الهمذاني و إبراهيم النخعي (31).
في هذا المثال تجد لابن مسعود قولين في تحديد من وجّه له الخطاب، وفي الأول يوافقه ابن عباس في هذه الجزئية، ثم يخالفه في معنى الركوب طبقاً عن طبق.
وما كان ذلك الاختلاف إلا لاحتمال هذا النص هذه المعاني المذكورة، فأبدى كل واحد منهما أحد هذه المحتملات.


مسألة: في اجتهاد الصحابة في حياة الرسول:
تُظهر بعض النصوص أن الصحابة كان لهم اجتهادات في فهم الخطاب القرآني وتفسيره في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان لاجتهادهم حالتان:
الحالة الأولى: أن يُقِرّ الرسول اجتهادهم، ومن ذلك: الأثر المروي عن عمرو بن العاص، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم عام (ذات السلاسل)، فاحتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلـك، فتيمّمت به، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمت على رسول الله ذكرت ذلك له، فقال: «ياعمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: 29] فتيممت، ثم صليت، فضحك، ولم يقل شيئاً (32).
ومنه: ما رواه الطبري عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: (تلا رسول الله يوماً {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها، حتى يكون الله عز وجل يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى وُلّيَ فاستعان به) (33).
الحالة الثانية: أن يُصَحّح الرسول فهمهم للآية:
ومثاله: تفسيرهم الظلم، في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، فقد فهم الصحابة أن الظلم عام يشمل جميع أنواعه، وذلك بقولهم: (وأينا لم يظلم نفسه)، فأخبرهم الرسول بالمراد بالظلم في الآية، وأنه الشرك (34).
ومنه حديث عدي بن حاتم، في قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ} [البقرة: 187] حيث عمد رضي الله عنه إلى عقالين: أبيض وأسود، ثم جعلهما تحت وسادة، ثم جعل ينظر إليهما في بعض الليل، فلم يستبينا، فلما أصبح أخبر الرسول بفعله، فأرشده الرسول إلى أن المراد بهما سواد الليل وبياض النهار (35).
ففي هذين المثالين تلاحظ أن الصحابة فهموا الآية على معنى محتمل، لكنه غير المراد، فأرشدهم الرسول إلى المعنى المراد بالآية، ولم ينههم عن تفهّمِ القرآن إلا بالرجوع إليه.


حكم تفسير الصحابي:
لا يصلح إطلاق الحكم على تفسير الصحابي جملة من حيث الاحتجاج به أو عدمه، بل لابدّ من التفصيل في تفسير الصحابي.
لقد سبق ذكر أن الصحابة يجتهدون في التفسير، وهذا الاجتهاد عرضة للخطأ؛ لأن الواحد منهم غير معصوم حتى يقبل منه كل قوله.
ثم إن هذا الاجتهاد مدعاة لوقوع الاختلاف في التفسير، وبهذا لا يكون قول أحدهم حجة؛ لأن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن قول بعضهم حجة على بعضٍ.
ويمكن تنزيل الحكم مقسّماً على مصادرهم: النقلية والاستدلالية.
أولاً: المصادر النقلية:
يشمل الحكم على المصادر النقلية ما يلي:
أسباب النزول، وأحوال من نزل فيهم القرآن، والأمور الغيبية.
ويمكن القول بأن هذه الأمور الثلاثة لها حكم الرفع؛ لأن الصحابي ليس له في هذه الأمور إلا النقل، وإن نُسب إليه التفسير، فإنما هو على سبيل التوسع في إطلاق التفسير له، ولأنه هو الناقل له.
ويحترز في هذا الحكم مما يكون من قبيل الاجتهاد في (أسباب النزول)، إذ قد تُطلق عبارة النزول ويراد بها أن المذكور في النزول داخل في حكم الآية، وكثيراً ما تصدّر بقولهم: نزلت هذه الآية في كذا وكذا.
ولذا: قد يرد عنهم أقوال كثيرة في سبب النزول، وهي غير صريحة في السببية، وإنما تكون داخلة في حكم الآية، وهذا إنما قاله من قاله اجتهاداً منه.
ويلحق بهذا: أحوال من نزل فيهم الخطاب، إذ قد يقع الاجتهاد في حمل معنى الآية على حالٍ من الأحوال.
وقد يرد في الآية سببان صحيحان صريحان، فتحمل الآية عليهما، ومن ذلك ما يلي:
ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] روى أبو داود عن ابن عباس، قال: (إن ابن عمر (والله يغفر له) أوهم؛ إنما كان هذا الحيّ من الأنصار وهم أهل وثنٍ مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرفٍ، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم.
وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون منهن مقبلات مدبرات ومستلقيات.
فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنّا نُؤتى على حرفٍ، فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، حتى شَرِيَ (انتشر) أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله، فأنزل الله عز وجلّ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك: موضع الولد) (36).
وروى البخاري عن جابر في نزول هذه الآية ما يلي: (كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}) (37).
ففي هذين السببين ترى ما يلي:
1- أنها تحكي حالاً من أحوال من نزل فيهم القرآن، وقد سبق أن السبب قد يكون في ذكر حالٍ من أحوال العرب.
2- أن ابن عباس ذكر السبب في قضية طريقة الجماع في خبر الرجل القرشي والأنصارية.
3- أن جابر ذكر السبب في نتيجة إحدى طرق الجماع.
وقد أنزل الله هذه الآية لإبطال هذين الحالين اللذين كان يعمل بهما اليهود والأنصار.
هذا، وقد أخبر الحاكم أن سبب النزول له حكم الرفع؛ فقد قال بعد حديث جابر السابق: (هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها، وليست بموقوفة، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل، فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا، فإنه حديث مسند) (38).
* كما يحترز في المغيبات من أن تكون من مرويات بني إسرائيل، فإذا سلمت من ذلك فإن لها حكم المرفوع؛ لأن الأمور الغيبية لا يمكن القول فيها بالاجتهاد.
ومن أمثلته: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير (الكرسي) بأنه (موضع قدمي الرحمن).
فهذا المثال يتعلق بصفات الله عز وجل ولا سبيل للوصول إليها إلا بالنقل، ولا مجال للاستنباط فيها.
فإن قيل: إن ابن عباس قد اشتهر عنه الأخذ من مرويات بني إسرائيل، وعليه: فإن هذا التفسير يحتمل أن يكون مما تلقّاه عنهم؟.
فالجواب: أنه لا يُظنّ بابن عباس أنه يرجع إليهم في معرفة صفات الله، وهم من أهل التعطيل لها، فمثل هذه المسائل المتعلقة بالله لا تؤخذ إلا من المعصوم في خبره، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم إن ابن عباس لم ينفرد بهذا التفسير، بل قد صحّ عن أبي موسى (39) مثل قول ابن عباس، وهذا مما يُعزّز قول ابن عباس، ويدل على تلقيه من الرسول صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
أما ما يثبت من هذه المغيبات أنه من الإسرائيليات فإنه ينظر إليه:
إن كان موافقاً لما في الكتاب والسنة قُبِلَ، وإن كان مخالفاً لهما رُدّ وترك، وإن لم تظهر فيه موافقة ولا مخالفة فالحكم فيه: التوقف، والله أعلم.


ثانياً: المصادر الاستدلالية (الاجتهاد):
سبق تقسيم هذه المصادر إلى أربعة أقسام، وسيكون الحديث هنا عامّاً عنها.
والتفسير إما أن يكون بياناً عن لفظٍ، وإما أن يكون بياناً عن معنىً.
فإذا لم يحتمل اللفظ أو المعنى المراد إلا تفسيراً واحداً لا غير، فإن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه، وحكم هذا التفسير: القبول؛ لعدم احتمال غيره.
أما إذا وقع الاحتمال في الآية، فإن هذا مجال الاجتهاد والرأي، وإذا كانت الآية محتملة لأكثر من قول، فإن هذا الاجتهاد يحتمل أمرين:
الأول: أن يكون مما توافق عليه اجتهاد الصحابة (أو كان في حكمه؛ كالإجماع السكوتي) فإن هذا حجة يجب قبوله عنهم.
الثاني: أن يقع بينهم خلاف مُحقّق، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بحجيّة هذه الأقوال، ولا بأحدها على الآخر؛ لأن قول أحدهم لا يكون حجة على الآخر، فلا يقال: معنى الآية كذا لأنه قول ابن عباس، مع وجود مخالفٍ له من الصحابة.
وإنما يكون عمل من بعدهم في مثل هذه الحالة الترجيح بدليل صالح للترجيح، ومحلّ هذا البحث موضع آخر، وهو قواعد الترجيح؛ لأن المراد هنا بيان ما يكون حجة وما لا يكون من أقوال الصحابة.. والله أعلم.




د.مساعد الطيار










(*) نشر في 1/ 10/ 1416هـ.
(1) المدخل إلى السنن الكبرى، ص 16.
(2) انظر: المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، ص109 110.
(3) انظر: بدائع التفسير، ج2 ص216، وج3 ص313، 402، 404، وشفاء العليل، ص54.
(4) انظر: الموافقات بتحقيق محيي الدين عبد الحميد، ج3 ص 218 219.
(5) الموافقات، ج3 ص 225 (بتصرف).
(6) الدرر المنثور، ج3 ص 161، وانظر: المستدرك.
(7) الموافقات، ج3 ص 229، وقد أحال في هذه المسألة على النوع الثاني من المقاصد (ج2ص44)، والموافقات، ج3 ص 227.
(8) انظر: فتح الباري، ج8 ص34.
(9) انظر: فتح الباري، ج8 ص 35.
(10) انظر: فتح الباري، ج8 ص 37.
(11) انظر: الموافقات، ج3 ص 218.
(12) يعني ابن مسعود (رضي الله عنه).
(13) فتح الباري، ج8 ص249.
(14) المستدرك، ج2 ص258.
(15) المستدرك.
(16) بدائع التفسير، ج3 ص404.
(17) وأيضاً التابعين وأتباعهم ممن لهم عناية بالتفسير.
(18) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (العلم: إما نقلٌ مُصَدّقٌ، وإما استدلال محقّقٌ) (مقدمة في أصول التفسير، ص55).
(19) رواه البخاري (فتح الباري، ج8 ص24 25).
(20) رواه البخاري (فتح الباري، ج8 ص37).
(21) رواه مسلم في صحيحه (رقم 1398).
(22) انظر: البخاري (فتح الباري، ج8 ص402).
(23) رواه البخاري (فتح الباري، ج8 ص527).
(24) انظر روايتهما في: صحيح البخاري (فتح الباري، ج8 ص 360).
(25) جواب هذا السؤال يحتاج بحثاً خاصّاً، والمراد هنا الإشارة إلى هذا الإشكال فقط.
(26) تفسير الطبري، ج19 ص 143 وانظر: سؤال ابن عباس لأبي الجلد في تفسير الطبري: ج1 ص 151، 13، 123.
(27) جامع الأصول، ج2ص4.
(28) انظر: الدر المنثور، ج 8 ص430.
(29) انظر: فتح الباري، ج 8 ص251.
(30) انظر أقوالهم في تفسير الطبري، ج30 ص106، 107.
(31) انظر مروياتهم في تفسير الطبري، ج30 ص122، 124.
(32) أخرجه أحمد وأبو داود.
(33) تفسير الطبري، ج 26 ص58.
(34) انظر رواية ذلك في صحيح البخاري (فتح الباري، ج 1 ص110، ج 6 ص448).
(35) انظر روايته في صحيح البخاري (فتح الباري، ج 8 ص231).
(36) انظر: عون المعبود، ج 6 ص204، 205.
(37) انظر: فتح الباري، ج 8 ص37.
(38) معرفة علوم الحديث، ص20.
(39) أشار إلى روايتهما ابن حجر في الفتح (ج 8ص47)، وقد صحح إسناد أبي موسى.

0 التعليقات:

إرسال تعليق